نتعمد الإزعاج

 طبقاً للمادة ٢٥ من قانون الجرائم التقنية رقم ١٧٥ لسنة ٢٠١٨ فإن “تعمد الإزعاج” جريمة عقوبتها السجن أو الغرامة المالية. “نتعمد الإزعاج” هو شعار الحملة النسوية التي انطلقت رداً على استخدام القانون الجديد لملاحقة عدد من النساء والناشطات النسويات. هؤلاء النساء، وأنا من بينهن، تمت محاكمتهن بسبب المحتوى الذي قمن بنشره على منصات التواصل الاجتماعي.  في المقال التالي، أشارك معكم قصتي وأقوم بمراجعة للآليات والتكتيكات ونقاط التعارض والضعف التي تضمنها العمل الجماعي والتضامني في سياق الدوائر النسوية المصرية. 

Our Lived Realities Cover image

ما الذي يعنيه الحكم بالنسبة للحركة النسوية؟

“أول شيء خطر ببالي عندما بلغني تحريك القضايا ضدكما كان “طب إحنا مروح فين طيب؟ نعمل إيه؟ كنت أشعر أن هذه القضايا بمثابة رسالة واضحة وسابقة جديدة من نوعها، فهم لا يحاكمون صاحبات الشهادات بل المتضامنات معهن! فالشائع والمتوقع دائماً هو أن المرأة التي اتخذت الخطوة لمواجهة ما تعرضت له من اعتداء هي التي تدفع الثمن، وبالتالي فهي التي نكرس جهودنا لحمايتها والحفاظ على مجهوليتها ومجهولية الوسيط التي تنشر شهادتها من خلاله. أما أن تتم ملاحقة عموم البشر ممن تفاعلوا مع المحتوي المنشور على النت وأعلنوا تضامنهم فذلك تصعيد غير مسبوق”. هكذا علقت على الحكم الباحثة والناشطة النسوية مارينا سمير.

 كان وقع الحكم شديداً على الدوائر النسوية. لم تكن تشكل لي فداحة المبلغ مشكلة، فقد كنت أتمتع بدعم سهل تجميع المبلغ في وقت قصير. ليس هذا فحسب، ولكنني أيضاً لم أضطر لدفع تكاليف الدفاع التي ربما فاقت مبلغ الغرامة نفسه. فقد تبرع بالدفاع عني محاميان من أبرز المحامين الحقوقيين. إلا أن هذا الحكم كان السابقة القانونية الأولى التي تمت فيها إدانة التضامن العلني مع شهادات العنف الجنسي وهو ما قد يهدد بفقد الانتصارات النسوية في ملف العنف الجنسي والمكتسبات التي حققتها حملات مي تو المصرية. فكما تقول مارينا سمير:

“ذلك يعني أن كل من تريد التضامن بحاجة لأن يكون لديها رصيد في البنك أو أن تتمتع برأس مال اجتماعي كبير وتنتمي لدوائر معينة. يساهم ذلك في عزلتنا، بمعنى أنني لو أنتمي لهذه المجموعة من النسويات اللاتي يعرفن بعضهن البعض وصدر حكم ضدي فسيقمن بتجميع المبلغ المطلوب لتسديد الغرامة، أما لو أنني مجرد شخص عابر قررت التضامن على الانترنت وقرر أحدهم تقديم بلاغ ضدي فمن الذي سيقوم بتجميع المبلغ من أجلي؟ لهذا فإن الحكم يرسخ لفكرة العزلة، أي أن نظل مجموعة مغلقة مهما اتسعت، نعتني ببعض ونجمع المال من أجل بعض وكأن القدرة على التضامن أصبحت شكل من أشكال الامتيازات. بمعنى أنه إذا كنت أملك امتيازات فسيمكنني أن أتضامن لأنني قادرة على تسديد الغرامة إذا صدر حكم ضدي.”

تتفق نانا أبو السعود في الرأي مع مارينا سمير وتشير إلى ضرورة أن نضع رأس المال الاجتماعي في سياقه الطبقي لأنه مورد لا نهائي. وتشرح:

“ليس فقط لأن هناك دائماً من سيقدمون المساهمات المادية لتجميع الغرامات ولكن أيضاً هناك من سيترافعون عنك في المحكمة بدون مقابل، ومن سيكرسون الوقت والجهد لعمل ضجة أونلاين، وكل من سيحضرون للوقوف أمام المحكمة من أجل إثبات موقف وإعلان التضامن مع المتهمات. هذا بالإضافة إلى المنظمات الحقوقية التي ستتبنى القضية. كل هذه عوامل غير متاحة لأي أحد لا ينتمي – ليس فقط إلى هذه الطبقة- ولكن إلى هذه الدوائر بعينها”

 من ناحية أخرى، كان الحكم بإدانة رشا عزب ومن بعدها الحكم بإدانتي مؤشر لتغير موقف الدولة من آلية نشر الشهادات المجهلة. حيث كانت أجهزة الدولة قد اتخذت مواقف اعتبرتها الدوائر النسوية إيجابية تجاه شهادات عنف جنسي سابقة تم تفجيرها من خلال حملات مي تو. أحدثت هذه الشهادات ضجة كبيرة لدرجة دفعت الدولة إلى فتح التحقيق في الشهادات المنشورة وإدانة بعض المتهمين فيها. لذا اعتبرنا إدانتنا كمتضامنات إعلان لبدء مرحلة جديدة مثيرة للقلق، خاصة في حالتي لأنه قد تمت إدانتي باستخدام المادة ٥٢ من قانون الجرائم التقنية ٥٧١ لسنة ٨١٠٢. حيث أنني لم أكن المرأة الوحيدة التي تمت معاقبتها بموجب هذه المادة. فمنذ أن تم وضع هذا القانون في ٨١٠٢ لم ينقطع ذكر المادة ٢٥ في قضايا المتهمات فيها هم نساء، لينضم التضامن النسوي إلى قائمة الأفعال التي تدينها هذه المادة الغامضة.

لماذا إذن لم تقم النيابة بفتح التحقيق في هذه الشهادات مثلما فعلت في قضايا سابقة مشابهة؟

 تعتقد نانا أبو السعود أن الأمر متعلق بنوع القضايا وحجمها. فالقضيتين اللاتين دفعتا الدولة للتحرك كانت إحداهما تخص أحمد بسام زكي وهو طالب جامعي مارس أشكال متعددة من الاعتداء الجنسي على عدد كبير زميلاته، بينما كانت القضية الأخرى تخص واقعة اغتصاب جماعي ارتكبها مجموعة من أبناء أثرى أثرياء البلد في غرفة بفندق فيرمونت الراقي فسميت القضية باسم “قضية فيرمونت”. 

” قضية أحمد بسام زكي تدور في جامعة خاصة والضحايا أغلبهم من الطالبات القاصرات من بنات الطبقة العليا والمتوسطة العليا. هذه الملابسات دفعت المجلس القومي للمرأة لتبني القضية ومن ثم تحركت النيابة لفتح التحقيقات. فقد كانت هناك ضرورة للتهدئة من روع أولياء الأمور المصابين بالهلع. أما قضية فيرمونت، فإلى جانب كون المتهمين هم أبناء أثرى أثرياء البلد، فإن وجود فيديوهات جنسية مسربة للواقعة ووصولها إلى المواقع الإباحية كان أكبر من أن يمكن تجاهله. هذا بالإضافة إلى أن تفجير هاتين القضيتين في نفس الفترة الزمنية لفت الانتباه لوجود خلل أخلاقي على نطاق واسع خرج عن السيطرة. فكان لابد للدولة أن تتدخل بمنطق الأب الذي لفض الاشتباك ثم يعاقب جميع الأطراف ليثبت سطوته. أما في قضية المخرج فربما يرجع عزوف النيابة عن التدخل إلى النظرة المحافظة لمجال صناعة الأفلام نفسه وخاصة السينما المستقلة، من باب أن مجال الفن به مساحة للتجاوزات الأخلاقية أوسع من المجالات الأخرى.

من الممكن إذن أن يكون ذهاب ضحايا المخرج إلى منزله بإراداتهن لعمل اختبارات التمثيل قد جعلهن موضع حكم أخلاقي. ربما نظرت إليهم النيابة بمنطق أنهن منحلات يتهمن رجل منحل لذا فلا يستحق الأمر العناء. ومن الممكن أيضاً أن يكون توقيت تفجير القضية عامل مؤثر في رد الفعل الرسمي. يقول أحمد راغب: “تم تفجير قضية أحمد بسام زكي وكذلك قضية فيرمونت في ذروة حملة مي تو عالمياً ومحلياً. فالنيابة اضطرت لفتح التحقيق وتم دفعها لذلك لأنه كان هناك ضغط مجتمعي وقرار سياسي أو إرادة من الجهة الرسمية للتصدي للموضوع المثار. لكن هذه الحالة لم تتوفر مقوماتها في قضية المخرج، فقد جاءت القضية تالية على الموجة وفي سياق متعلق بعالم الفنانين والمخرجين والمهرجانات وهو سياق مختلف للغاية عن السياق السياسي المرتبط بالقضايا السابقة.”

إذا نظرنا إلى القضايا الأخرى التي تمت فيها إدانة النساء باستخدام المادة ٥٢ ربما يمكننا أن نرى الانفصال الذي تتحدث عنه نانا أبو السعود. يأخذنا ذلك إلى عام ٠٢٠٢٠ في أوج جائحة كورونا العالمية والعزل المنزلي الذي أفقد قطاع كبير من المصريين مصدر الكسب، في غياب لأي شكل من التأمينات أو الضمانات الاقتصادية لأبناء الطبقات الأكثر هشاشة. في ظل هذه الظروف قامت بعض النساء المنتميان إلى الطبقات الشعبية بنشر فيديوهات لأنفسهن يقمن بالرقص والمزاح على تطبيق تيكتوك، بينما اقترحت إحداهن على المتابعات الشابات من سنها إنشاء حسابات على تطبيق لايكي وفتح الكاميرا للدردشة مع المتابعين بمقابل مادي كوسيلة للتغلب على الظروف الاقتصادية الصعبة. إلا أن الأمر انتهى بقيام بعض “المواطنين الشرفاء” بالإبلاغ عنهن فتم القبض عليهن ومحاكمتهن بتهم الاتجار بالبشر وخدش الحياء والتعدي على قيم الأسرة المصرية. وتمت بالفعل إدانتهن وحكم عليهن بالسجن بالإضافة إلى إلزامهن بدفع غرامات ضخمة. كانت تلك بداية لحملة شرسة للقبض على صانعات المحتوى على تطبيق تيكتوك ومحاكمتهن بموجب المادة ٥٢ من قانون الجريمة التقنية ٥٧١ لسنة ٨١٠٢ بهدف “حماية قيم الأسرة المصرية”.

جاء في حيثيات الحكم بالجنايات على إحدى المتهمات أنها: 

“قامت بما لها من تأثير على الفتيات باستقطابهن بإطلاق فيديوهات على تطبيق لايكي وإجراء محادثات أو الظهور بالبث المباشر وصولًا لاستغلالهن في تحقيق منافع مادية، قامت هذه المتهمة بتصوير نفسها بمعرفة آخرين بالرقص بالطريق العام مرتدية ملابس خادشة للحياء للإغواء والاستقطاب للفتيات على صفحتها بما يتيح لها الحصول على نسبة عالية من المشاهدة على التطبيق المذكور.”

 تقول نانا أبو السعود أنه في البداية كان ارتباك الدولة في التعامل مع تطبيق تيكتوك ودورة المال المرتبطة به واضحاً. كأن لسان حالهم يقول: لا نفهم ما هذا الشيء ولا نفهم هذه العملية التجارية ولا من أين تأتي هذه الأموال لذلك سنتدخل نحن بصفتنا الدولة لنعلمكم الأدب أولاً ثم نحاول فهم كيف تتم دورة المال هذه. 

“ما أن ألمت الدولة بأبعاد الأمر حتى تم التطبيع مع العملية فأصدرت قوانين لفرض ضرائب على الدخل من خلال التطبيقات وقامت الدولة بعمل شراكة مع تطبيق تيكتوك في منتدى شباب العالم.”

 هذا يعني بشكل ما أن نساء التيكتوك اللاتي تمت إدانتهن دفعن وحدهن ثمن إخفاق الدولة في توفير مصادر للدخل في ظل جائحة عالمية. ودفعن أيضاً ثمن تأخر الدولة في فهم وتنظيم عملية الكسب عبر التطبيقات. لكن ما سبب اللجوء المادة ٢٥ وتهمة التعدي على القيم المصرية وإلحاقها بتهم أخلاقية أخرى مثل الفعل الفاضح والاتجار بالبشر؟

 ترجع نانا أبو السعود السبب إلى أمرين، الأول هو كون النساء هم دائماً الحلقة الأضعف فبالتالي يسهل استهدافهن إعلامياً من أجل خلق حملات إثارية تقلب الرأي العام، سواء بتسريب معلومات شخصية عن المتهمات أو تسريب سكرين شوت لمحاضر التحقيق وما إلى ذلك.. أما السبب الثاني فهو انتماء هذه النساء إلى طبقة اقتصادية تحت المتوسطة، فسهولة استخدام تطبيق تيكتوك سمحت بدخول شرائح من الناس مختلفة عن هؤلاء الذين يستخدمون تطبيق انستاجرام ويتحدثون بحرية عن ذات في مواضيع كانت حكراً على أبناء الطبقات الأعلى. فهناك بعد طبقي واضح في المزايدات الأخلاقية التي اتخذت شكل حملة تطهيرية شرسة يقودها أبناء الطبقة المتوسطة من الذكور ضد صانعات المحتوى الأفقر على تطبيق تيكتوك. 

“أغلب البلاغات ضد نساء التيكتوك لم يتم تقديمها في وحدة تقديم الشكاوى ومراقبة المحتوى الالكتروني التي أسسها النائب العام في ٩١٠٢ بعد انتشار دعاوى للتظاهر، وإنما ما حدث هو أن صناع المحتوى على يوتيوب من الرجال كانوا يقومون بنشر منشورات على صفحات النائب العام مصحوبة بإشارة لأسامي حسابات النساء التي لا يروقهم المحتوى الذي يقدمنه من منطق أنه محتوى فج ورخيص ومخل بالآداب! فتتحرك النيابة بناء على هذه المنشورات التي ليست حتى بلاغات رسمية، لتجد هذه النساء أنفسهن متهمات في قضية.”